رد: خُطْبَةِ ٱلصِّدِيقَةُ ٱلشَّهِيدَةُ فَاطِمَةُ ٱلزِّهْرَاءِ عَلَيْهَا ٱلسَّلاَمُ
فَلَمَّا ٱخْتَارَ اللهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ دَارَ أَنْبِيَائِهِ، وَمَأْوَىٰ أَصْفِيَائِهِ، ظَهَرَ فِيكُمْ حَسَكَةُ ٱلنِّفَاقِ، وَسَمَلَ جِلْبَابُ ٱلدِّينِ، وَنَطَقَ كَاظِمُ الْغَاوِينِ، وَنَبَغَ خَامِلُ ٱلأَقَلِّينَ، وَهَدَرَ فَنِيقُ الْمُبْطِلِينَ، فَخَطَرَ فِي عَرَصَاتِكُمْ، وَأَطْلَعَ ٱلشَّيْطَانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرِزِهِ هَاتِفاً بِكُمْ، فَأَلْفَاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجِيبِينَ، وَلِلْغِرَّةِ فِيهِ مُلاَحِظِينَ، ثُمَّ ٱسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفَافاً، وَأَحْمَشَكُمْ فَأَلْفَاكُمْ غِضَاباً، فَوَسَمْتُمْ غَيْرَ إِبِلِكُمْ، وَأَوْرَدْتُمْ غَيْرَ شِرْبِكُمْ، هٰذَا وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَالْكَلْمُ رَحِيبٌ، وَالْجُرْحُ لَمَّا يَنْدَمِلْ، وَٱلرَّسُولُ لَمَّا يُقْبَرْ، ٱبْتِدَاراً زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ ﴿أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فَهَيْهَاتَ مِنْكُمْ، وَكَيْفَ بِكُمْ، وَأَنَىٰ تُؤْفَكُونَ؟ وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أُمُورُهُ ظَاهِرَةٌ، وَأَحْكَامُهُ زَاهِرَةٌ، وَأَعْلاَمُهُ بَاهِرَةٌ، وَزَوَاجِرُهُ لاَئِحَةٌ، وَأَوَامِرُهُ وَاضِحَةٌ، وَقَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، أَرَغَبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ، أَمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا إِلاَّ رَيْثَ أَنْ تَسْكُنَ نَفْرَتُهَا، وَيَسْلَسَ قِيَادُهَا، ثُمَّ أَخَذْتُمْ تُورُونَ وَقْدَتَهَا، وَتُهَيِّجُونَ جَمْرَتَهَا، وَتَسْتَجِيبُونَ لِهِتَافِ ٱلشَّيْطَانِ الْغَوِيِّ، وَإِطْفَاءِ أَنْوَارِ ٱلدِّينِ الْجَلِيِّ، وَإِخْمَادِ سُنَنِ ٱلنَّبِيِّ ٱلصَّفِيِّ، تُسِرُّونَ حَسْواً فِي ٱرْتِغَاءٍ، وَتَمْشُونَ لأَهْلِهِ وَوَلْدِهِ فِي الْخَمْرِ وَالْضَّرَاءِ، وَنَصْبِرُ مِنْكُمْ عَلَىٰ مِثْلِ حَزِّ الْمُدَىٰ، وَوَخْزِ ٱلسِّنَانِ فِي الْحَشَا، وَأَنْتُمْ - ٱلآنَ - تَزْعُمُونَ أَلاَّ إِرْثَ لَنَا ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أَفَلاَ تَعْلَمُونَ؟ بَلَىٰ تَجَلَّىٰ لَكُمْ كَٱلشَّمْسِ ٱلضَّاحِيَةِ أَنِّي ٱبْنَتُهُ أَيُهَا الْمُسْلِمُونَ أَأُغْلَبُ عَلَىٰ إِرْثِيَهْ.
يَا ٱبْنَ أَبِي قُحَافَةَ! أَفِي كِتَابِ اللهِ أَنْ تَرِثَ أَبَاكَ، وَلاَ أَرِثَ أَبِي؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيًّا، أَفَعَلَىٰ عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتَابَ اللهِ وَنَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، إِذْ يَقُولُ ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ وَقَالَ فِيمَا ٱقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَىٰ ٱبْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا ٱلسَّلاَمُ إِذْ قَالَ رَبِّ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ وَقَالَ ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ وَقَالَ ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ وَقَالَ ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ وَزَعَمْتُمْ أَلاََ حِظْوَةَ لِي، وَلاَ إِرْثَ مِنْ أَبِي! أَفَخَصَّكُمُ اللهُ بِآيَةٍ أَخْرَجَ أَبِي مِنْهَا؟ أَمْ تَقُولُونَ، إِنَّ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لاَ يَتَوَارَثَانِ، أَوَلَسْتُ أَنَا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ؟! أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَٱبْنِ عَمِّي؟ فَدُونَكَهَا مَخْطُومَةً مَرْحُولَةً، تَلْقَاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ، فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ، وَٱلزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ، وَالْمَوْعِدُ الْقِيَامَةُ، وَعِنْدَ ٱلسَّاعَةِ يَخْسِرُ الْمُبْطِلُونَ، وَلاَ يَنْفَعُكُمْ إِذْ تَنْدَمُونَ و ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾.
ثُمَّ رَمَتْ بِطَرْفِها نَحْوَ ٱلأَنْصَارِ فَقَالَتْ:
يَا مَعْشَرَ ٱلنَّقِيبَةِ، وَأَعْضَادَ الْمِلَّةِ، وَحَضَنَةِ ٱلإِسْلاَمِ! مَا هٰذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي؟ وَٱلسِّنَةُ عَنْ ظُلاَمَتِي؟ أَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَبِي يَقُولُ (الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ)؟ سَرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُمْ، وَعَجْلاَنَ ذَا إِهَالَةً، وَلَكُمْ طَاقَةٌ بِمَا أُحَاوِلُ، وَقُوَّةٌ عَلَىٰ مَا أَطْلُبُ وَأُزَاوِلُ! أَتَقُولُونَ مَاتَ مُحَمَّدٌ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ؟! فَخَطْبٌ جَلِيلٌ، ٱسْتَوْسَعَ وَهْنُهُ، وَٱسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ، وَٱنْفَتَقَ رَتْقُهُ، وَأَظْلَمَتِ ٱلأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَكُسِفَتِ ٱلنُّجُومُ لِمُصِيبَتِهِ، وَأَكْدَتِ ٱلآمَالُ، وَخَشَعَتِ الْجِبَالُ، وَأُضِيعَ الْحَرِيمُ، وَأُزِيلَتِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ مَمَاتِهِ، فَتِلْكِ وَاللهِ ٱلنَّازِلَةُ الْكُبْرَىٰ، وَالْمُصِيبَةُ الْعُظْمَىٰ، لاَ مِثْلُهَا نَازِلَةٌ، وَلاَ بَائِقَةٌ عَاجِلَةٌ، أَعْلَنَ بِها كِتَابُ اللهِ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- فِي أَفْنِيَتِكُمْ، فِي مُمْسَاكُمْ وَمُصْبَحِكَمْ، هِتَافاً وَصُرَاخاً، وَتِلاَوَةً وَأَلْحَاناً، وَلَقَبْلَهُ مَا حَلَّ بِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، حُكْمٌ فَصْلٌ وَقَضَاءٌ حَتْمٌ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾.
إِيْهاً بَنِي قَيْلَةَ! أَأُهْضَمُ تُرَاثَ أَبِيَهْ، وَأَنْتُمْ بِمَرْأَىٰ مِنِّي وَمَسْمَعٍ، وَمُنْتَدَىٰ وَمَجْمَعٍ؟! تَلْبَسُكُمُ ٱلدَّعْوَةُ، وتَشْمُلُكُمُ الْخَبْرَةُ، وَأَنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَٱلأَدَاةِ وَالْقُوَّةِ، وَعِنْدَكُمُ ٱلسِّلاَحُ وَالْجُنَّةُ، تُوَافِيكُمُ ٱلدَّعْوَةُ فَلاَ تُجِيبُونَ، وَتَأْتِيكُمُ ٱلصَّرْخَةُ فَلاَ تُعِينُونَ، وَأَنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفَاحِ، مَعْرُفُونَ بِالْخَيْرِ وَٱلصَّلاَحِ وَٱلنُّخْبَةُ ٱلَّتِي ٱنْتُخِبَتْ، وَالْخِيَرَةُ ٱلَّتِي ٱخْتِيرَتْ! قَاتَلْتُمُ الْعَرَبَ، وَتَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَٱلتَّعَبَ، وَنَاطَحْتُمُ ٱلأُمَمَ، وَكَافَحْتُمً الْبُهَمَ، لاَ نَبْرَحُ أَوْ تَبْرَحُونَ، نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ، حَتَّىٰ إِذَا دَارَتْ بِنَا رَحَىٰ ٱلإِسْلاَمِ، وَدَرَّ حَلَبُ ٱلأَيَّامِ، وَخَضَعَتْ نُعَرَةُ ٱلشِّرْكِ، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ ٱلإِفْكِ، وَخَمَدَتْ نِيرَانُ الْكُفْرِ، وهَدَأَتْ دَعْوَةُ الْهَرْجِ، وَٱسْتَوْسَقَ نِظَامُ ٱلدِّينِ، فَأَنَّىٰ حِرْتُمْ بَعْدَ الْبَيَانِ، وَأَسْرَرْتُمْ بَعْدَ ٱلإِعْلاَنِ، وَنَكَصْتُمْ بَعْدَ ٱلإِقْدَامِ، وَأَشْرَكْتُم ْبَعْدَ ٱلإِيمَانِ؟ ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾.
أَلاَ قَدْ أَرَىٰ أَنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إِلَىٰ الْخَفْضِ، وَأَبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَالْقَبْضِ، وَخَلَوْتُمْ إِلَىٰ ٱلدَّعَةِ، وَنَجَوْتُمْ مِنَ ٱلضِّيقِ بِٱلسَّعَةِ، فَمَجَجْتُمْ مَا وَعَيْتُمْ، وَدَسَعْتُمُ ٱلَّذِي تَسَوَّغْتُمْ فَـ ﴿إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أَلاَ وَقَدْ قُلْتُ مَا قُلْتُ عَلَىٰ مَعْرِفَةٍ مِنِّي بِالْخَذْلَةِ ٱلَّتِي خَامَرَتْكُمْ، وَالْغَدْرَةِ ٱلَّتِي ٱسْتَشْعَرَتْهَا قُلُوبُكُمْ، وَلَكِنَّهَا فَيْضَةُ ٱلنَّفْسِ، وَنَفْثَةُ الْغَيْظِ، وَخَوَرُ الْقَنَا، وَبَثَّةُ ٱلصُّدُورِ، وَتَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ، فَدُونَكُمُوهَا، فَٱحْتَقِبُوهَا دَبِرَةَ ٱلظَّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفِّ، بَاقِيَةَ الْعَارِ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ اللهِ، وَشَنَارِ ٱلأَبَدِ، مَوْصُولَةً بـ ﴿نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ﴾ فَبعَيْنِ اللهِ ما تَفْعَلُونَ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ وَأَنَا ٱبْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَاعْمَلُوا إنّا عامِلُونَ وَٱنْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ.
فَأَجَابَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللهِ ٱبْنُ عُثْمَانَ، وَقَالَ:
|