رد: خُطْبَةِ ٱلصِّدِيقَةُ ٱلشَّهِيدَةُ فَاطِمَةُ ٱلزِّهْرَاءِ عَلَيْهَا ٱلسَّلاَمُ
يَا ٱبْنَةَ رَسُولِ اللهِ، لَقَدْ كَانَ أَبُوكِ بالْمُؤْمِنِينَ عَطُوفاً كَرِيماً، رَؤُوفاً رَحِيماً، وَعَلَىٰ الْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً وَعِقَاباً عَظِيماً، إِنْ عَزَوْنَاهُ وَجَدْنَاهُ أَبَاكِ دُونَ ٱلنِّسَاءِ، وَأَخاً إِلْفِكِ دُونَ ٱلأَخِلاَّءِ، آثَرَهُ عَلَىٰ كُلِّ حَمِيمٍ، وَسَاعَدَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ جَسِيمٍ، لاَ يُحِبُّكُمْ إِلاَّ كُلُّ سَعِيدٍ، وَلاَ يُبْغِضُكُمْ إِلاَّ كُلُّ شَقِيٍّ، فَأَنْتُمْ عِتْرَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ٱلطَّيِّبُونَ، وَالْخِيَرَةُ الْمُنْتَجَبُونَ، عَلَىٰ الْخَيْرِ أَدِلَّتُنَا، وَإِلَىٰ الْجَنَّةِ مَسَالِكُنَا، وَأَنْتِ يَا خَيْرَةَ ٱلنِّسَاءِ، وَٱبْنَةَ خَيْرِ ٱلأَنْبِيَاءِ، صَادِقَةٌ فِي قَوْلِكَ، سَابِقَةٌ فِي وُفُورِ عَقْلِكِ، غَيْرُ مَرْدُودَةٍ عَنْ حَقِّكِ، وَلاَ مَصْدُودَةٍ عَنْ صِدْقِكِ، وَاللهِ مَا عَدَوْتُ رَأْيَ رَسُولِ اللهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَلاَ عَمِلْتُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَإِنِّ ٱلرَّائِدَلاَ يَكْذِبُ أَهْلَهُ، وَإِنِّي أُشْهِدُ الله وَكَفَىٰ بِهِ شَهِيداً، أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولِ اللهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقُولُ: (نَحْنُ مَعَاشِرَ ٱلأَنْبِيَاءِ لاَ نُوَرِّثُ ذَهَباً وَلاَ فِضَّةً وَلاَ دَاراً وَلاَ عِقَاراً، وَإِنَّمَا نُوَرِّثُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَالْعِلْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ، وَمَا كَانَ لَنَا مِنْ طُعْمَةٍ فَلِوَلِيِّ ٱلأَمْرِ بَعْدَنَا أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِحُكْمِهِ).
وَقَدْ جَعَلْنَا مَا حَاوَلْتِهِ فِي الْكُرَاعِ وَٱلسِّلاَحِ، يُقَاتِلُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، وَيُجَاهِدُونَ الْكُفَّارَ، وَيُجَالِدُونَ الْمَرَدَةَ الْفُجَّارَ، وَذٰلِكَ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ أَنْفَرِدْ بِهِ وَحْدِي، وَلَمْ أَسْتَبِدَّ بِمَا كَانَ ٱلرَّأْيُ فِيهِ عِنْدِي، وَهٰذِهِ حَالِي وَمَالِي، هِيَ لَكِ، وَبَيْنَ يَدَيْكِ، لاَ تُزْوَىٰ عَنْكِ، وَلاَ تَدَّخِرُ دُونَكِ، وَأَنْتِ سَيِّدَةُ أُمَّةِ أَبِيكِ، وَٱلشَّجَرَةُ ٱلطَّيِّبَةُ لِبَنِيكِ، لاَ يُدْفَعُ مَالَكِ مِنْ فَضْلِكِ، وَلاَ يُوضَعُ فِي فَرْعِكِ وَأَصْلِكِ، حُكْمُكِ نَافِذٌ فِيمَا مَلَكَتْ يَدَايَ، فَهَلْ تَرَيْنَ أَنْ أُخَالِفَ فِي ذٰلِكِ أَبَاكِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ؟
فَقَالَتْ عَلَيْهَا ٱلسَّلاَمُ:
سُبْحَانَ اللهِ! مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَنْ كِتَابِ اللهِ صَادِفاً، وَلاَ لأَحْكَامِهِ مُخَالِفاً، بَلْ كَانَ يَتَّبعُ أَثَرَهُ، وَيَقْفُو سُوَرَهُ، أَفَتَجْمَعُونَ إِلَىٰ الْغَدْرِ ٱعْتِلاَلاً عَلَيْهِ بِٱلزُّورِ، وَهٰذَا بَعْدَ وَفَاتِهِ شَبِيهٌ بِمَا بُغِيَ لَهُ مِنَ الْغَوَائِلِ فِي حَيَاتِهِ، هٰذَا كِتَابُ اللهِ حَكَماً عَدْلاً، وَنَاطِقاً فَصْلاً، يَقُولُ ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ فَبَيَّنَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا وَزَّعَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلأَقْسَاطِ، وَشَرَّعَ مِنَ الْفَرَايِضِ وَالْمِيرَاثِ، وَأَبَاحَ مِنْ حَظَّ ٱلذُّكْرَانِ وَٱلإِنَاثِ، مَا أَزَاحَ عِلَّةَ الْمُبْطِلِينَ، وَأَزَالَ ٱلتَّظَنِّي وَٱلشُّبُهَاتِ فِي الْغَابِرِينَ، كَلاَّ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
صَدَقَ اللهُ وَصَدَقَ رَسُولُهُ، وَصَدَقَتْ ٱبْنَتَهُ، أَنْتِ مَعْدِنُ الْحِكْمَةِ، وَمَوْطِنُ الْهُدَىٰ وَٱلرَّحْمَةِ، وَرُكْنُ ٱلدِّينِ، وَعَيْنُ الْحُجَّةِ، لاَ أُبْعِدُ صَوابَكِ، وَلاَ أُنْكِرُ خِطَابَكِ، هٰؤُلاَءِ الْمُسْلِمُونَ بَيْنِيَ وبَيْنَكِ، قَلَّدُونِي مَا تَقَلَّدْتُ، وَبِٱتِّفَاقٍ مِنْهُمْ أَخَذْتُ مَا أَخَذْتِ، غَيْرَ مُكَابِرٍ وَلاَ مُسْتَبِدٍّ، وَلاَ مُسْتَأْثِرٍ، وَهُمْ بِذٰلِكَ شُهُودٌ.
فَالْتَفَتَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا ٱلسَّلاَمُ إِلَىٰ ٱلنَّاسِ وَقَالَتْ:
مَعَاشِرَ ٱلنَّاسِ، الْمُسْرِعَةِ إِلَىٰ قِيلِ الْبَاطِلِ، الْمُغْضِيَةِ عَلَىٰ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ الْخَاسِرِ ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلوبِكُمْ مَا أَسَأْتُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَأَخَذَ بِسَمْعِكُمْ وَأَبْصَارِكُمْ، وَلَبِئْسَ مَا تَأَوَّلْتُمْ، وَسَاءَ مَا بِهِ أَشَرْتُمْ، وَشَرَّ مَا مِنْهُ ٱعتَضْتُمْ، لَتَجِدَنَّ وَاللهِ مَحْمِلَهُ ثَقِيلاً، وَغِبَّهُ وَبِيلاً، إِذَا كُشِفَ لَكُمُ الْغِطَاءُ وَبَانَ مَا وَرَاءَهُ ٱلضَّرَاءُ، وَبَدَا لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ما لَمْ تَكونوا تَحْتَسِبونَ ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
ثُمَّ عَطَفَتْ عَلَىٰ قَبْرِ أَبِيهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَقَالَتْ:
قَدْ كَانَ بَعْدَكَ أَنْبَاءٌ وَهَنْبَثَةٌ لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهَا لَمْ تَكْثُرِ الْخَطْبُ
إِنَّا فَقَدْنَاكَ فَقْدُ ٱلأَرْضِ وَابِلُهَا وَٱخْتَلَّ قَوِمُكَ فَٱشْهَدْهُمْ وَقَدْ نَكِبُوا
وَكُلُّ أَهْلٍ لَهُ قُرْبَىٰ وَمَنْزِلَةٌ عِنْدَ ٱلإِلهِ عَلَىٰ ٱلأَدْنَيْنِ مُقْتَرِبُ
أَبْدَتْ رِجَالٌ لَنَا نَجْوَىٰ صُدُورِهِمِ لَمَّا مَضَيْتَ وَحَالَتْ دُونَكَ ٱلتُّرُبُ
تَجَهَّمَتْنَا رِجَالٌ وَٱسْتُخِفَّ بِنَا لَمَّا فُقِدْتَ وَكُلُّ ٱلإِرْثِ مُغْتَصَبُ
وَكُنْتَ بَدْراً وَنُوراً يُسْتَضَاءُ بِهِ عَلَيْكَ تُنْزَلُ مِنْ ذِي ٱلعِزَّةِ الْكُتُبُ
وَكَانَ جِبْرِيلُ بِٱلآيَاتِ يُؤْنِسُنَا فَقَدْ فُقِدْتَ فَكُلُّ الْخَيْرِ مُحْتَجِبُ
فَلَيْتَ قَبْلَكَ كَانَ الْمَوْتُ صَادَفَنَا لِمَا مَضَيْتَ وَحَالَتْ دُونَكَ الْكُثُبُ
إِنَّا رُزِينَا بِمَا لَمْ يُرْزَ ذُو شَجَنٍ مِنَ الْبَرِيَّةِ لاَ عُجْمٌ وَلاَ عَرَبُ.
ثُمَّ ٱنْكَفَأَتْ عَلَيْهَا ٱلسَّلاَمُ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَليْهِ ٱلسَّلاَمُ يَتَوَقَّعُ رُجُوعَهَا إِليْهِ، وَيَتَطَلَّعُ طُلُوعَهَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا ٱسْتَقَرَّتْ بِهَا ٱلدَّارُ قَالَتْ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ ٱلسَّلاَمُ:
يَا ٱبْنَ أَبِي طَالِبٍ! ٱشْتَمَلْتَ شِمْلَةَ الْجَنِينِ، وَقَعَدْتَ حُجْرَةَ ٱلظَّنِينِ! نَقَضْتَ قَادِمَةَ ٱلأَجْدِلِ، فَخَانَكَ رِيشُ ٱلأَعْزَلِ، هٰذَا ٱبْنُ أَبِي قُحَافَةَ يَبْتَزُّنِي نِحْلَةَ أَبِي، وَبُلْغَةَ ٱبْنَيَّ، لَقَدْ أَجْهَرَ فِي خِصَامِي، وَألْفَيْتُهُ ٱلأَلَدَّ فِي كَلاَمِي، حَتَّىٰ حَبَسَتْنِي قَيْلَةُ نَصْرَهَا، وَالْمُهَاجِرَةُ وَصْلَهَا، وَغَضَّتِ الْجَمَاعَةُ دُونِي طَرْفَهَا، فَلاَ دَافِعَ وَلاَ مَانِعَ، خَرَجْتُ كَاظِمَةً، وَعُدْتُ رَاغِمَةً، أَضْرَعْتَ خَدَّكَ يَوْمَ أَضَعْتَ حَدَّكَ، إِفْتَرَسْتَ ٱلذِّئَابَ، وَٱفْتَرَشْتَ ٱلتُّرَابَ، مَا كَفَفْتُ قَائِلاً وَلاَ أَغْنَيْتُ بَاطِلاً، وَلاَ خِيَارَ لِي، لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هِينَتِي، وَدُونَ ذِلَّتِي، عَذِيرِيَ اللهُ مِنْكَ عَادِياً وَمِنْكَ حَامِياً، وَيْلاَيَ فِي كُلِّ شَارِقٍ، مَاتَ الْعَمَدُ، وَوَهَنَ الْعَضُدُ، شَكْوَايَ إِلَىٰ أَبِي، وَعَدْوَايَ إِلَىٰ رَبِّي، أَللّهُمَّ أَنْتَ أَشَدُّ قُوَّةً وَحَوْلاً، وَأَحَدُّ بَأْساً وَتَنْكِيلاً.
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ ٱلسَّلاَمُ:
لاَ وَيْلَ عَلَيْكِ، الْوَيْلُ لِشَانِئِكِ، نَهْنِهِي عَنْ وَجْدِكِ يَا ٱبْنَةَ ٱلصَّفْوَةِ، وَبَقِيَّةَ ٱلنُّبُوَّةِ، فَمَا وَنَيْتُ عَنْ ديِنِي، وَلاَ أَخْطَأْتُ مَقْدُورِي، فَإِنْ كُنْتِ تُرِيدِينَ الْبُلْغَةَ فَرِزْقُكِ مَضْمُونٌ، وَكَفِيلُكِ مَأْمُونٌ، وَمَا أُعِدَّ لَكِ أَفْضَلُ مِمِّا قُطِعَ عَنْكِ، فَٱحْتَسِبِي اللهَ.
فَقَالَتْ:
حَسْبِيَ اللهُ، وَأَمْسَكَتْ
|