قلت :
يبدو انّك مدير هذا المصرف .
قال :
اجل ، انا السيد " كول " ، وانت صديقى الحميم . . . انا اعرفك منذ مئات السنين .
لقـد رابـنـى هـذا الرجـل ، وظـنـنـتـه اوّل وهـلة مـعـتـوهـا ، وسـاءلت نـفـسـى :
كـيـف تـعـهـد الامـم المـتـّحـدة الى رجل مجنون فى تسنّم هذا المركز الخطير ؟ وبـيـنـمـا كـنـت مـنـهـمـكـا فـى لجـّة مـن التـفـكـيـر ، وانـا اوجـس فـيـمـا رايـت مـنـه خـيـفـة واصـل حـديـثـه قـائلا :
اجـل ، نـحـن عـشـنـا مـعـا ، وكـانـت تـجـرى بـيـنـنـا احـاديـث شـتـّى ، ولطـالمـا سـهـرنـا الليل نخوض فى حديث فاءدركنا الفجر .
ثمّ استدرك كلامه بقوله :
الست شاعرا ؟ قلت :
بلى .
وعقّب ثانية :
الست مصريا من القاهرة ؟ قلت :
بلى .
وطـفـق يـسـرد ذكـريـات عـجـيبة ، ويتحدّث عن حياتى الخاصّة على الرغم من كونى لم اره فى مصر ولم ازر امريكا قبل هذا اليوم قط .
ثمّ اخذ الصك منّى وصرّفه بنفسه . فقلت :
معى ايضا صديق سودانىّ .
فذهب الى صديقى ودعاه الى غرفته وصرّف صكّه ايضا .
واخـبـرنـى عـنـد انـصـرافـى بـاءنـّه سـيـتـاءهـّب للقـائى ثـانـيـة ؛ لمـواصـلة احـاديـثـنـا المـاضـيـة حول الادب والشعر والفنّ .
ولا اخـفـى انّى قد ارتعت من الرجل وما بدر منه ، فانطلقت من المصرف مسرعا لا الوى على شيى ء ، وما عدت إ ليه قط ، وصرّفت صكّى ثانية بواسطة صديق آخر .
وإ نّى الى الا ن ما وجدت تفسيرا وتحليلا لهذا الموضوع ، سيّما انّ علماء الروح يذكرون له نظائر كثيرة .
اقول :
إ نّ الرواية اعلاه تعدّ من المسلّمات التى لايعتريها الشك ؛ إ ذ بادر فريق من علماء المسلمين الذين يعتقدون بـوجـود الروح قـبـل هـذا العـالم الى تـفـسـيـر هـذه الظـواهـر ونظائرها وحلّلوها طبق آرائهم ، وهم يرون انّ الارواح قـبـل هـذا العـالم تـسـتـطـيـع ان تـتـقمّص اشكالا مختلفة ، فتكون صغيرة وكبيرة ، وتظهر باءىّ نحو وهيئة كانت ، وتاءنس بالامكنة التى ترعرعت فيها خلال عالم الارواح .
وقـد بيّنت فى كتاب " بين يدى الاستاذ "((15))
موضوع " عالم الذّر " و" عالم الارواح " بصورة مسهبة ، وذكرت انـّه ليـس هـنـاك ادنـى مـجـال للشك لدى المسلمين حول عالمى الارواح والذّر . إ لاّ انّ فريقا من الفلاسفة والعلماء المسلمين وغيرهم لايرون وجودا للروح قبل هذا العالم ، ولم يعيروا لهذه الظواهر اهمّية ، وطووا كشوحهم عن الا يات والروايـات ، وخـرّجـوا رايـهـم بـالقـول :
لم يـكـن للروح وجـود قـبـل البـدن الترابىّ ، وانّ المراد بعالم الذّر وعالم الميثاق هو عالم البدء وميثاق الفطرة وتكوين الخلقة ؛ إ ذ حـيـنـمـا اخـرج اللّه بـنـى آدم مـن اصـلاب آبـائهـم الى ارحـام امـّهـاتـهـم - وهـم بشكل ذرّات - اراهم صنعه ومكّنهم من معرفة دلائله ، ثمّ دلّهم بخلقه على توحيده .((16))
وإ نـّى احـسـب هـؤ لاء لايـفـرّقـون بـيـن الحـكـمـة والفـلسـفـة ، فـاعـتـاص عـليـهـم الامـر واعـضـل .((17))
وليـت شـعـرى عـن هـؤ لاء العـلمـاء مـا يـصـنـعـون بـهـذه الحوادث والحكايات ؟ وكيف يقاومون مئات الروايـات التـى وردت فـى شـتـّى الابـواب ، مـثـل " عـالم الارواح " و" عـالم الذّر " وحـول " الطـيـنـة " و" تـعـارف النـاس مـع بـعـضـهـم البـعـض " وروايـات " العـالم الاوّل " الذى يـجـعـل فـى عـداد الدنـيـا والا خـرة ، و" عـالم الاظـلّة " و" عـالم الاشـبـاح " ، والروايـات التـى تقول :
إ نّ الانسان قد اكتسب الفطرة والعلم الوجدانى فى ذلك العالم . فهذه الروايات صرّحت بصورة لاتدعو مجالا للشك باسم عالم يسبق هذا العالم .
وانـا لا اريـد ان اردّ عـلى هـؤ لاء او اعقّب على كلامهم ، بيد انّى انحى عليهم باللائمة ؛ لما فرّطوا فى حقّ النبىّ الصـادق الامـيـن الذى يـوحـى إ ليـه مـن قبل ربّ العالمين ؛ حيث صرّح باسم عالم يسبق عالمنا هذا ، وبيّن صفاته ووضـّح حـالاتـه . فـليـس حرىّ بالمرء - كما قال بعض العلماء - ان يقلب ظهر المجنّ لمئات الاحاديث المتواتره ؛ لكونه يجافى " عالم الارواح " و" عالم الذّر " .
راى القائلين بالتناسخ
تابـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع