خالد بن الوليد ... إرهاب ... غدر ... اغتصاب
<B>
إبراهيم محمد جواد
يواجه الدارس للتاريخ الإسلامي صعوبات كثيرة في الوصول إلى حقيقة الأحداث التي جرت على طول هذا التاريخ، وذلك بسبب إخفاء كثير من حقائقه، وتشويه الباقي منها بتقطيع أوصالها بحيث تغدو نتفاً يصعب الربط بينها ربطاً سليماً موثوقاً، وكذلك مزج هذه النتف المتبقية بروايات مزورة كثيرة إرضاء للحكام، بحيث تصبح عملية غربلة هذه الروايات، وتمييز غثها من السمين، والصحيح منها من المزور أمراً في غاية الصعوبة، مما يبلبل آراء الناس حيال هذه الأحداث، ويفتح المجال للتحليلات المتناقضة وفق الميول والأهواء السياسية والعقائدية.
هذه التشويهات أدت إلى تغييب التاريخ الإسلامي عملياً، ووقفت في وجه استخلاص العبر والدروس من هذا التاريخ المغيب، وبالتالي قطعت الأجيال الحاضرة من المسلمين عن ماضيها، وأوحت لها بالإحساس الأليم بأنها أجيال يتيمة مقطوعة الجذور عن ماضيها وتاريخها. ولنأخذ قصة مالك بن نويرة مثالاً حياً على هذه القضية.
- من هو مالك بن نويرة؟
هو مالك بن نويرة التميمي اليربوعي، من كبار بني تميم وبني يربوع، وصاحب شرف رفيع وأريحية عالية بين العرب، حتى لقد ضرب به المثل في الشجاعة والكرم والمبادرة إلى إسداء المعروف والأخذ بيد الملهوف، وكانت له الكلمة الناقدة في قبيلته، حتى أنه لما أسلم ورجع إلى قبيلته، وأخبرهم بإسلامه، وأعطاهم فكرة عن جوهر هذا الدين الجديد، أسلموا على يديه جميعاً لم يتخلف منهم رجل واحد.
وهو صحابي جليل قابل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأسلم على يديه، ونال منزلة رفيعة لديه، حتى أن النبي نصبة وكيلاً عنه في قبض زكاة قومه كلها وتقسيمها على الفقراء، وهذا دليل وثاقته واحتياطه وورعة(1).
وكان مالك يعتقد بإمامة وخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) طبقاُ لآيات القرآن الكريم، وتبيان النبي (صلى الله عليه وآله) عن أمر ربه سبحانه وتعالى يوم غدير خم، والنبي عائد إلى المدينة المنورة بعد حجة الوداع - كما يسمونها - وهي حجة الإسلام التي لم يحج النبي سواها.
ولذلك فإن مالكاً حين علم بتنصيب أبي بكر خليفة على المسلمين في سقيفة بني ساعدة، وإقصاء الإمام علي - صاحب الحق - المنصوص والأولوية المطلقة - عن إمرة المسلمين وإمامتهم، رفض الانقياد لأبي بكر، وامتنع عن بيعته ودفع الزكاة إليه(2). فأعاد أموال الزكاة لأصحابها من قومه وقال:
فقلت خذوا أموالكم غير خائفٍ ولا ناظرٍ ماذا يجيء مع الغذ
فإن قـام بالديـن المحوّق قائمٌ أطعنا وقلنا الدين دين محمد(3).
- أحوال الناس وانقسامهم بعد رسول الله:
بعد ما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتولى أبو بكر الخلافة بعده في تلك الداهية الدهياء، والطخية الظلماء المعروفة بسقيفة بني ساعدة، وامتناع طائفة من كبار الصحابة - مهاجرين وأنصاراً - عن بيعته، على رأسهم وصي رسول الله، الصّدّيق الأكبر والفاروق الأعظم، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، انقسم المسلمون خارج المدينة المنورة إلى ثلاثة أقسام:
- قسم كانوا يتربصون بالإسلام الدوائر، فلما توفي النبي ارتدوا مباشرة عن الإسلام وجيشوا الجيوش للانقضاض على المسلمين وإنهاء دولة الإسلام.
- وقسم رفضوا مبايعة أبي بكر لعدم شرعية خلافته، ومخالفتها لتعاليم القرآن ووصايا الرسول بإمامة علي (عليه السلام)، وإلقاء مقاليد أمور المسلمين إليه.
- وقسم لعلهم ظنوا عدم وجوب تسليم الزكاة للخليفة بعد رسول الله.
وكان مالك بن نويرة من القسم الثاني كما قدمنا.
- وصية أبي بكر لابن الوليد مواجهة هذه الأقسام:
أمام هذا الواقع، وجه أبو بكر جيشاً كبيراً بقيادة خالد بن الوليد لقتال كل هذه الأقسام(4). وأوصاه قائلاً:
(.. فإن أذّن القوم فكفّوا عنهم، وإن لم يؤذّنوا فاقتلوا وانهبوا، وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم عن الزكاة، فإن أقروا فاقبلوا منهم وإن أبوا فقاتلوهم).
وفي رواية الطبري (فإن أقروا بالزكاة فأقبلوا منهم وإن أبوها فلا شيء إلا الغارة ولا كلمة)(5).
هذه الوصية تحمل في طياتها ميزانية للتعامل مع الناس وأقسامهم:
الميزان الأول: يميز بين المسلمين وغيرهم من الكافرين والمرتدين، وهو ميزان صالح لو لم يعطل العمل به، ولو عمل به وحده - دون ضم الميزان الثاني إليه - لاستقامت الأمور في الجزيرة العربية، وأنهيت عملية الارتداء، ثم سوي بعد ذلك موضوع البيعة ودفع الزكاة إلى الخليفة دون الوقوع في دماء المسلمين وأعراضهم.
الميزان الثاني: يميز بين من يقر بيعة أبي بكر من المسلمين ويدفع له الزكاة ومن لا يقر منهم البيعة ويمتنع عن دفع الزكاة له.
وهذا الميزان في الحقيقة هو مصيبة المصائب، وداهية الدواهي النكراء، والجريمة الكبرى التي اقترفها أبو بكر، فأوقعت الدماء بين المسلمين أنفسهن، وقتل الصحابة بعضهم بعضاً، حتى قتل من المسلمين يومئذ خلق كثير.
وهذا هو الميزان الذي استمر عملياً بين المسلمين كسنة من سنة أبي بكر، فلا يزال المسلمون منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، وسيبقون إلى ما شاء الله، يقتتلون بينهم بموجب هذا الميزان الأخرق، وهذه السنة المبتدعة خلافاً لتعاليم الإسلام، ووصايا الرسول (صلى الله عليه وآله)، ومنها (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل هذا القاتل يا رسول الله فما بال المقتول؟
قال: كان أحرص على قتل صاحبه.
فكل دم مسلم أهريق على يد مسلم فعلى أبي بكر وزره وإثمه، بسبب هذا الميزان الذي ابتدعه، وهذه السنة السيئة التي سنها خلافاً لأحكام الإسلام في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً، تبتغون عرض الدنيا، فعند الله مغانم كثيرة، كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم، فتبينوا، إن الله كان بما تعملون خبيراً)[سورة النساء: الآية 94]. وخلافاً لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصريحة، فيما أوصى به علياً يوم خيبر: (قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فان فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)(6).
ولقد حاول عمر بن الخطاب ثني أبي بكر عن قتال ما نعي الزكاة، والاقتصار على حرب المرتدين عن الإسلام فقط، لكن أبا بكر أصر على ما عزم عليه من قتال الجميع قائلاً (والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه)(7).
</B>