فقال له الحباب بن المنذر(66): يا بشير بن سعد، عقَقْتَ عقاق، ما أحوجك إلى ما صنعت؟ أنفستَ على ابن عمك الإمارة؟(67).
قال الطبري في تاريخه، وابن الأثير في الكامل: ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض، وفيهم أسيد بن حضير، وكان أحد النقباء: والله لئن وَلِيَتْها الخزرج عليكم مرة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم نصيباً، فقوموا فبايعوا أبا بكر. فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم(68).
فكان نظر أبي بكر وعمر أن الخلافة لا يصح أن تكون إلا في قريش، وكان لا بد من الإسراع في بيعة رجل من قريش لئلا تُجعل في غيرهم.
قال المحب الطبري: وخشي ـ يعني أبا بكر ـ أن يخرج الأمر عن قريش، فلا تدين العرب لمن يقوم به من غير قريش، فيتطرق الفساد إلى أمر هذه الأمة، ولم يحضر معه في السقيفة من قريش غير عمر وأبي عبيدة، فلذلك دّلَّ عليهما، ولم يمكنه ذِكر غيرهما ممن كان غائباً خشية أن يتفرّقوا عن ذلك المجلس من غير إبرام أمر ولا إحكامه، فيفوت المقصود، ولو وَعَدوا بالطاعة لمن غاب منهم حينئذ ما أَمِنَهم على تسويل أنفسهم إلى الرجوع عن ذلك(69).
ولأجل هذا المعنى اعتذر عمر بن الخطاب نفسه في حديث السقيفة عن مسارعتهم في بيعة أبي بكر، وعدم تريّثهم لمشاورة باقي المسلمين، فقال:
وإنَّا والله ما وجَدْنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقْنا القوم ولم تكن بيعة، أن يُبايِعوا رجلاً منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد.
وأشار أبو بكر إلى ذلك في خطبته في المسجد بعد ذلك، معتذراً للناس عن قبوله البيعة لنفسه، فقال:
والله ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة قط، ولا كنت راغباً فيها، ولا سألتها الله في سِرّ ولا علانية، ولكن أشفقت من الفتنة(70).
وأخرج أحمد في المسند أن أبا بكر قال: فبايَعوني لذلك، وقبلتُها منهم، وتخوَّفتُ أن تكون فتنة تكون بعدها رِدَّة(71).
2 ـ إن ما أُصيب به الإسلام والمسلمون من المصيبة العظمى والداهية الكبرى بفقد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وما تبعه من حوادث، جعل كثيراً من صحابة النبي (صلى الله عليه وآله) يتجنَّبون الخِلاف والنزاع. فبعد أن علموا أن البيعة تمَّت لأبي بكر في السقيفة، رأوا أنهم إما أن يرضوا بما وقع، وفيه ما فيه، أو يُظهروا الخلاف فيكون الأمر أسوأ والحالة أشد، والمسلمون أحوج ما يكونون إلى نبذ الفرقة ولم الشمل، فبايعوا أبا بكر، وكانت بيعتهم من باب دفع الأفسد في نظرهم بالفاسد.
وكان كثير من الصحابة يتجنّبون الخلاف حتى مع علمهم بالخطأ، ويرون فعل الخطأ مع الوفاق، أولى من فعل الحق مع الخلاف.
ومن ذلك ما أخرجه أبو داود في السنن عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلّى عثمان بمنى أربعاً، فقال عبد الله: صليت مع النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين. زاد عن حفص: ومع عثمان صدراً من إمارته، ثم أتمَّها... ثم تفرَّقت بكم الطرُق، فلَوددتُ أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبَّلتين... فقيل له: عِبْتَ على عثمان ثم صلَّيتَ أربعاً؟ قال: الخلاف شر(72).
ورواه أحمد في المسند عن أبي ذر(73). ورواه البيهقي في السنن الكبرى عن ابن مسعود، وفيه أنه قال: ولكن عثمان كان إماماً، فما أخالفه، والخلاف شر(74).
وكان ابن عمر إذا صلّى مع الإمام صلّى أربعاً، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين(75).
3 ـ أن عمر بن الخطاب كان يعضِّد أبا بكر ويقوّيه، وعمر معروف بالشدة والغلظة، فلذلك خاف قوم من مخالفة أبي بكر وعمر في هذا الأمر، وأُجبر قوم آخرون على البيعة(76)، فاستتبَّ الأمر بذلك لأبي بكر.
فإذا كانوا قد كشفوا بيت فاطمة لأخذ البيعة من أمير المؤمنين (عليه السلام)(77)، ولم يراعوا لبيت فاطمة الزهراء (عليه السلام) حرمة، فعدم مراعاة غيرها من طريق أولى، وإن قهْرهم لعلي (عليه السلام) لأخذ البيعة منه(78)، مع ما هو معلوم من شجاعته وقربه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يجعل غيره لا يمتنع عن البيعة.
ومن شدة عمر في هذا الأمر أنه كان من الذين نَزَوا على سعد بن عبادة يوم السقيفة وكادوا يقتلونه، وقد ذكر ذلك عمر في حديث السقيفة، فقال:
وهو كثير في كتب التاريخ يجده المتتبع ونزَوْنا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعد بن عبادة.
وهو الذي ضرب يد الحباب بن المنذر يوم السقيفة فندر السيف منها.
قال الطبري في تاريخه: لما قام الحباب بن المنذر، انتضى سيفه وقال: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب... فحامله عمر، فضرب يده، فندر السيف فأخذه، ثم وثب على سعد ووثبوا على سعد(79).
وزبدة المخض أن أكثر الصحابة ـ المهاجرين منهم والأنصار ـ أعرضوا عن النصوص المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) في مسألة الخلافة، وصدرت منهم اجتهادات خالفوا بها النصوص الثابتة، ثم التمسوا لهم الأعذار فيها، والتمس مَن جاء بعدهم لهم ما يصحِّح اجتهاداتهم تلك.
ويدلّ على ذلك أن الأنصار اجتمعوا في السقيفة وهم كثرة، ليختاروا منهم خليفة للمسلمين، مع أنهم يعلمون ـ كما في حديث السقيفة ـ أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (الأئمة من قريش)، فتجاوزوا هذا النص الصريح الواضح في هذه المسألة حرصاً منهم على الإمارة، كما أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) فيما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، أنه قال: إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فَنِعْمَ المرضعة، وبئس الفاطمة(80).
وكان ذلك مصداقاً لما أخبر به النبي (صلى الله عليه وآله) فيما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها(81).
وفي رواية أخرى، قال: ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها(82).
وبالجملة فإن قلنا: إنه يشترط في الخليفة أن يكون قرشياً فلا يجوز للأنصار أن يبايعوا رجلاً منهم، وإن قلنا: إن اختيار الخليفة لا بد أن يكون بالشورى، فحينئذ لا يحق لِمَن حضر في السقيفة أن يختاروا خليفة منهم دون مشورة باقي المسلمين، ولا سيما أنه لم يحضر من المهاجرين إلا ثلاثة نفر: أبو بكر وعمر وأبو عبيدة.
ثم إن احتجاج أبي بكر وعمر بأن النبي (صلى الله عليه وآله) منهم وهم عشيرته، ولا يصلح لخلافته رجل من غيرهم(83)، يستلزم أن يكون الخليفة من بني هاشم، ومن آل النبي (صلى الله عليه وآله) بالخصوص.
ولذلك احتج أمير المؤمنين عليهم بما احتجوا به على غيرهم، فقال فيما نُسب إليه:
فإن كنتَ بالشورى ملكتَ أمورَهم * فكيـف بهـذا والمشـيرون غُيَّــبُ
وإن كنتَ بالقربى حجَجْتَ خصيمَهم * فغـيـرُك أولى بالنبـي وأقــربُ(84)
وأما إذا قلنا بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد نصَّ على الخليفة من بعده كما هو الصحيح، فالمخالفة حينئذ تكون أوضح.
ومن ذلك كله يتضح أن أهل السقيفة ـ المهاجرين منهم والأنصار ـ خالفوا النصوص الصحيحة الواردة من النبي (صلى الله عليه وآله) في مسألة الخلافة.
وهذا يستلزم ألا يكون شيء مما قرَّروه في السقيفة مُلزِماً لغيرهم، أو حجَّة عليهم، بل لا يمكن أن يُصَحَّح بحال.
60 - صحيح البخاري ج 8 ص 210 الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا، ج 4 ص 2130 ح 6830.